أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

587

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ « أن تعفوا » في محل رفع بالابتداء لأنه في تأويل « عفوكم » ، و « أقرب » خبره . وقرأ الجمهور « تعفوا » بالخطاب ، والمراد الرجال والنساء ، فغلّب المذكّر ، والظاهر أنه للأزواج خاصة ، لأنهم المخاطبون في صدر الآية ، وعلى هذا فيكون التفاتا من غائب ، وهو قوله : « الذي بيده عقدة النكاح » - على قولنا أنّ المراد به الزوج وهو المختار - إلى الخطاب الأول في صدر الآية . وقرأ الشعبي « 1 » وأبو نهيك « 2 » : « يعفوا » بياء من تحت . قال الشيخ « 3 » : « جعله غائبا ، وجمع على معنى : « الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ » لأنه للجنس لا يراد به واحد » يعني أنّ قوله : « وأن يعفوا » أصله « يعفوون » فلمّا دخل الناصب حذفت نون الرفع ثم حذفت الواو التي هي لام الكلمة ، وهذه الياء فيه هي ضمير الجماعة ، جمع على معنى الموصول ، لأنه وإن كان مفردا لفظا فهو مجموع في المعنى لأنه جنس . ويظهر فيه وجه آخر ، وهو أن تكون الواو لام الكلمة ، وفي هذا الفعل ضمير مفرد يعود على الذي بيده عقدة النكاح ، إلا أنه قدّر الفتحة في الواو استثقالا كما تقدّم في قراءة الحسن ، تقديره : وأن يعفو الذي بيده عقدة . قوله : لِلتَّقْوى متعلّق بأقرب ، وهي هنا للتعدية ، وقيل : بل هي للتعليل . و « أقرب » تتعدّى تارة باللام كهذه الآية ، وتارة بإلى كقوله تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ « 4 » . وليست « إلى » بمعنى اللام ، وقيل : بل هي بمعناها ، وهذا مذهب الكوفيين ، أعني التجوّز في الحروف . ومعنى اللام و « إلى » في هذا الموضع يتقارب . وقال أبو البقاء : « ويجوز في غير القرآن : « أقرب من التقوى وإلى التقوى » إلّا أنّ اللام هنا تدلّ على معنى غير معنى « إلى » وغير معنى « من » ، فمعنى اللام : العفو أقرب من أجل التقوى ، واللام تدلّ على علة قرب العفو ، وإذا قلت : أقرب إلى التقوى كان المعنى : يقارب التقوى ، كما تقول : أنت أقرب إليّ ، و « أقرب من التقوى » يقتضي أن يكون العفو والتقوى قريبين ، ولكنّ العفو أشدّ قربا من التقوى ، وليس معنى الآية على هذا » انتهى . فجعل اللام للعلة لا التعدية ، و « إلى » للتعدية . واعلم أنّ فعل التعجب وأفعل التفضيل يتعدّيان بالحرف الذي يتعدّى به فعلهما قبل أن يكون تعجبا وتفضيلا نحو : « ما أزهدني فيه وهو أزهد فيه » ، وإن كان من متعدّ في الأصل : فإن كان الفعل يفهم علما أو جهلا تعدّيا بالباء نحو : « هو أعلم بالفقه » ، وإن كان لا يفهم ذلك تعدّيا باللام نحو : « ما أضربك لزيد » ، و « أنت أضرب لعمرو » إلّا في باب الحبّ والبغض فإنهما يتعدّيان إلى المفعول ب « في » نحو : « ما أحبّ زيدا في عمرو وأبغضه في خالد ، وهو أحبّ في بكر وأبغض في خالد » وإلى الفاعل المعنوي ب « إلى » نحو : « زيد أحبّ إلى عمرو من خالد ، وما أحبّ زيدا إلى عمرو » ، أي : إنّ عمرا يحب زيدا . وهذه قاعدة جليلة قلّ من يضبطها .

--> ( 1 ) عامر بن شراجيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري أبو عمرو راوية من التابعين يضرب المثل بحفظه توفي سنة 103 ه تهذيب التهذيب ( 5 / 65 ) ، حلية الأولياء ( 4 / 310 ) ، تاريخ بغداد ( 12 / 227 ) ، سمط اللآلي ( 751 ) . ( 2 ) علباد بن أحمد اليشكري روى عنه العتكي انظر غاية النهاية ( 1 / 515 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 238 ) . ( 4 ) سورة ق ، آية ( 16 ) .